الأستـاذ الشيـخ احمـد أبو غنيــم بكت على فراقه العيون وحزنت على موته القلوب وافتقده في المسجد الركع السجود
الأستاذ الشيخ المرحوم احمد أبو غنيم ابن بلدة اللقية اسم يتردد على السنة كل من عاشره وعرفه ، ويعلم الله تعالى أننا ما وجدنا حبا وتقديرا واحتراما بهذا القدر كما شعرناه من خلال إعدادنا لهذا التقرير من كل من التقينا بهم تقديرا ووفاء لهذا الأستاذ الشيخ الذي جمع حوله محبة الجميع بسبب دماثة أخلاقه وتفانيه في فعل الخير وتحوله إلى نموذج يحتذى به في كرم الأخلاق وكظم الغيظ والدفع بالتي هي أحسن والعفو والتسامح إلى جانب مدرسة للتربية كان قد أرسى معالمها في النقب.
ولد الشيخ عام 1956 في بلدة تل عراد وتعلم في الرحلة الابتدائية في مدرسة قديرات الصانع ثم أكمل تعليمه الإعدادي والثانوية في مدرسة كسيفه الثانوية والتحق عام 1979 بدار المعلمين وعين معلما في مدرسة اللقية الثانوية لمدة 6 سنوات انتقل بعدها ليدرس في المدرسة الشاملة في تل السبع لمدة 17 عاما حصل خلالها على رسالة الماجستير من جامعة بئر السبع في موضوع الاستشارة التربوية ، وبدأ حينها بالعمل كمستشار تربوي في مدرسة البيروني في اللقية وعمل كذلك مرشدا تربويا على مستوى الوسط العربي في النقب.
الدور الدعوي للمرحوم الذي لم ينزع يدا من طاعة يعتبر الشيخ احمد أبو غنيم من بين الإخوة الأوائل الذين ارسوا دعائم الحركة الإسلامية في اللقيه وكان من السباقين في الالتزام بالعمل الدعوي حيث شغل إماما لمسجد المرابطين في اللقية منذ عشر سنوات مضت وكان محل احترام وتقدير أهالي اللقيه وكل من حظي بالتعرف عليه. يقول الشيخ علي أبو قرن مسؤول الحركة الإسلامية في النقب :"كان أبو طه أستاذا مخلصا ومستشارا تربويا رحيما حنونا ، عرفناه إماما في مسجد الرباط لقد كان ابنا بارا لدعوته منذ عام الخامسة والثمانين فلقد كان احد الأعمدة التي أرست قواعد الصحوة الإسلامية في بلدنا الحبيب ، عرفناه الشاب المطيع وعرفناه نعم المربي الصالح بالقدوة الحسنة ، عرفناه الخادم المطيع في معسكراتنا الصيفية والتربوية ولجاننا الدعوية .
عرفناه ولسانه يجري بكلمات الحق والإنصاف ويكره الإسفاف والتملق وسوء الأخلاق .
عرفناه الإنسان الصابر المحتسب عندما أقعده المرض العضال تسعة شهور
ولئن شهد أهل اللقية لأحد بحسن الخلق والتقوى والورع فلقد شهدوا له بذلك ليسوا لوحدهم بل كل من خالطه وجالسه وعرفه والتقى معه ولو ساعة من نهار من كل بلداننا
أكرم الله تعالى المرحوم بهمة عاليه لا تعرف الكسل ولا الملل ، كانت همته عالية سباقا لفعل الخيرات تجده في كل مكان يدعو إلى الخير ولعل ما ميز المرحوم انه كان داعية بالقدوة والخلق الحسن يعجب كل من يتعرف عليه بدرجه الخلق وحسن العشرة إلى جانب صوته الحنون الذي كان يتغنى به في تلاوة القرآن وإمامة المصلين في المسجد كان صوته يوحي بالطمأنينة وترتاح لسماعه الاذان . اجتهد ان يتقن فن التلاوة والتجويد وكان له ذلك . كان هادئا بطبعه لا يتكلم إلا للحاجة. يقول الأستاذ خليل ابن أخيه :" عزاؤنا في عمي المرحوم انه تمثل فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه". لقد كان بحمد الله من أهل هذا الحديث يجتنب المراء والجدال ويبتعد عن الكذب وكان قمة في حسن الخلق اسأل الله تعالى أن يجعل روحه في عليين". ولما أردنا ان نسأل عن إنسان رافق المرحوم حتى نسلط الأضواء على حياته اجمع كل من تحدثنا معهم على ضرورة ان نجري الحوار مع الأستاذ موسى الصانع مدير مدرسة البيروني في اللقية لما له من علاقة مميزة تربطه بالمرحوم وعندما التقينا بالأستاذ موسى الصانع علمنا بحق ان الرجل تربطه علاقة كبيرة بالمرحوم وكان ظاهرا على وجهة الحزن والتأثر لدرجة انه توقف عن الكلام لما سألناه عن المرحوم ثم بدا لسانه ينساب بالحديث عن المرحوم واخذ يسرد أيام الطفولة وكان ملفتا للانتباه انه ركز في حديثه بشكل ملحوظ على دماثة أخلاق المرحوم منذ نعومة إظفاره إلى جانب حبه غير المحدود للعلم والتعلم يقول الصانع" كنا ننام في بيت واحد ونرعى الغنم معا وكان لديه ميول دينية منذ صغره وكانت صفات الأمانة والخلق والأدب مغروسة فيه وحظي بحب منقطع النظير من قبل كل من عرفه . وعن حب المرحوم لخدمة الآخرين يقول الأستاذ موسى" كان المرحوم معتادا أن يحمل الطعام إلى الديوان ويعيده بعد الإفطار الى البيوت". وعن العلاقات الطيبة بينهما يضيف الصانع" كنا نستشير بعضنا البعض في كل شيء وأنا فخور أني اهتديت على يديه ، كان دائما يهديني الكتب الدينية ويحثني على الطاعة والعبادة. واذكر يوما لما أنجب ابنته البكر قال لي: ما رأيك ان نختار لها اسما ، فقلت له :سمها أمل ، فقال :هي أمل بإذن الله". وكانت اسعد لحظات في حياتي أن المرحوم شغل منصب المستشار التربوي في مدرسة البيروني التي أديرها فاكتملت الحلق وكنت سعيدا بوجوده معنا وساهم إلى ابعد الحدود في الاستشارة التربوية وحل أي ضائقة لدى الطلاب وبفقدانه ترك فراغا وفجوة عظيمة لا اعتقد ان أحدا يمكنه ملء هذا الفراغ الذي تركه". وكانت أكثر اللحظات إيلاما وحزنا بانت على وجه الأستاذ موسى الصانع لما سألناه عن لحظة علمه ومعرفته بإصابة المرحوم احمد ابو غنيم بمرض السرطان وقال " الخبر نزل علي كالصاعقة ، كدت ان افقد صوابي ويعلم الله تعالى أنني لم احزن في حياتي حزنا كما حزنت لما سمعت خبر إصابته بالمرض وكنت حينها في الأردن قطعت زيارتي على الفور وعدت إلى اللقية لأطمئن عليه ولا يمكن ان أنسى أبدا لحظة ان زرت أخي أبو طه وهو على فراش المرض يقول لي :" أمنيتي الوحيدة ان لا أموت حتى أرى زواج أبنائي "، حينها ذرفت الدموع وبكيت بكاء مريرا ودعوت الله أن يحقق له آماله والحمد لله استجاب الله تعالى الدعاء وتزوج أبناؤه قبل مماته ".
تسعة شهور من المرض تتوج بلقاء الله تعالى في أول ليلة من ليالي رمضان وكرامات ربانيه يحظى بها المرحوم عند وفاته وكان المرحوم قد ابتلاه الله تعالى بمرض السرطان ، أقعده المرض على الفراش تسعة أشهر عانى فيها المرحوم كثيرا واشتد به المرض لكن القدر شاء أن يلقى المرحوم ربه في أول ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك ليحظى ببركات وخيرات هذا الشهر الكريم الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم " وانه ان كانت أول ليلة فيه نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لا يعذبه أبدا " وقد بانت كرامات ربانيه عند وفاته ، يقول الشيخ فايز ابو قطيفان الذي تولى عملية غسل المرحوم" غسلت في حياتي أناسا كثيرين ولكني وجدت على وجه هذا المرحوم ابتسامة عريضة وفي جسمه نعومة ونور" تقول زوجة المرحوم " أبو طه لما اشتد به المرض وثقل عليه فقد الوعي ونسي كل شيء إلا القرآن الذي كان يحفظه وكلما كنا نتلو عنده الآيات التي كان يحفظها نجده يرددها ويكررها ولم ينس آية ، وكان يقول " يا رب أسالك ان لا تضيع القرآن مني" وكان يوم الجمعة ثاني أيام شهر رمضان الفضيل شيعت جماهير غفيرة المرحوم في جنازة مهيبة ذرفت فيها الدموع وحزنت فيها القلوب وخيمت ملامح الحزن على وجوه المشيعين وأخذت الألسن تلهج بالدعاء للمتوفى بالرحمة أما أخوه محمد ابو غنيم فقد كان أكثر الناس حزنا وكان يردد عند قبره " أنت يا أبا طه شقيق النفس توأم الروح قصمت ظهري يا أخي أرجو الله لك الرحمة وأبكت هذه الكلمات الدافئة كل من سمعها".
خيركم خيركم لأهله وكان المرحوم فعلا كما يقوم ابن أخيه الأستاذ خليل أبو غنيم مثالا يحتذى به في التعامل بالحسنى في بيته وبين جيرانه الذي أحبوه كثيرا واجتهد في تعليم بناته وأولاده حيث يتعلم ابنه البكر طه في السنة الأخيرة في موضوع الطب وأكملت ابنته أمل اللقب الأول في موضوع البيولوجيا وابنته فاطمة مدرسة ونرجس تدرس موضوع رياض الأطفال بينما يدرس ابنه ماهر في كلية كي. تقول ابنته أمل" كان أبي يحرص كثيرا على راحتنا وبالذات نحن البنات وكان دائما يقف إلى جانبنا ولم يتخل عن خدمتنا حتى بعد ان تزوجنا لدرجة انه من المستحيل ان يرفض لنا أي طلب وكان حنونا عطوفا رقيق القلب ونحن أخذنا على أنفسنا عهد أن لا ننساه من الدعاء فهذا حق لوالدنا علينا ونحتسبه عند الله تعالى" أما ابنته فاطمة فقالت:" كانت أصعب اللحظات يوم اكتشف المرض عند والدي لكننا نقول الحمد لله لقي ربه صابرا محتسبا ". ولم ينس ابنه ماهر وصايا والده الذي كان يغرس فيهم معاني الخلق الحسن ويوصيهم بالناس والجيران خيرا والابتعاد عن كل شيء يؤذي الآخرين"
نعم الجار الصالح وكان المرحوم الشيخ احمد أبو غنيم يتمتع بدرجة عالية من حسن الجوار يقول الحاج احمد أبو سعد " نحن جاورنا المرحوم منذ أكثر من 11 عاما وكنت اعرفه منذ ولادته وكان بحق نعم الجار الطيب ونشهد أننا ما رأينا منه إلا كل خير وطيب وتحمل وسعة صدر ومحبة وطيب عشرة وحسن جوار كان كثير الابتسامة يحب الأطفال حبا كبيرا يهتم بجيرانه اهتماما بالغا ولن أنسى أبدا أن المرحوم في كل عيد يبدأ بمعايدة جيرانه وتهنئتهم وكان يعتاد أن يساندنا في ذبح الأضاحي وتجهيزها " ويضيف الحاج أبو سعد وقد بان الحزن على وجهه" اسأل الله أن يرحمه ويعلم الله تعالى أني لم أتأثر بموت احد كما حزنت وتأثرت على موت أبو طه لأنه كان معلما ومربيا وجارا طيبا سخيا كريما يدعو دوما إلى الخير والعبادة والطاعة لله تعالى وكان كثير ما يحث على فضائل الأخلاق والمعاملة الطيبة بين الناس". أما الحاج عبد العزيز أبو محارب والذي كان يجلس في ديوان عائلة أبو غنيم عند إعدادنا لهذا التقرير سألناه عن معرفته بالمرحوم فقال" يا ابني ايش ممكن احكي عنه كل كلمة مهما بلغت معانيها هي منقصه في حقه ، كان إنسانا متواضعا وعظيما ولقي ربه مؤمنا ان شاء الله انا لن انس المرحوم الذي كان يعتاد في كل فرح وعرس في الحارة ان يقدم مشورته وخدماته ومساعدته لأهل الفرح وكان يواظب في كل عرس على إعداد الطعام وكل ما يلزم ، نسأل الله تعالى له الرحمة". الابن البار : حلم والدي ان أحفظ القرآن الكريم سيتحقق قريبا بإذن الله بعد ان أكرمني ربي بحظ 25 جزءا من القرآن الكريم ولعل الحلم الذي كان يراود المرحوم احمد أبو غنيم هو أن يكون ابنه عبد الرحمن من حفظة القرآن الكريم وفعلا التحق الشاب البالغ من العمر- 17 عاما- بمؤسسة حراء في اللقيه وبدأ مشواره المبارك بحفظ القرآن الكريم وكان من الطلبة الأوائل في الحفظ وتمكن إلى الآن من حفظ 25 جزءا من كتاب الله تعالى. يقول الابن البار محمود :" والدي دفعني وشجعني على حفظ القرآن الكريم وكان حلمه أن أحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وبدأت المشوار الموفق بحمد الله تعالى غير أن القدر شاء ان يلقى أبي ربه دون أن أكمل حفظ القرآن الكريم لكنني بعون الله سأحقق هذا الحلم قريبا واجتهد أن أحفظ الأجزاء الخمسة الباقية طاعة لله تعالى وتعظيما للقرآن الكريم ورجاء أن يهب الله تعالى ثواب الحفظ لروح والدي". وعند سؤاله عن أكثر شيء افتقده محمود بعد وفاة والده قال" ما عاد أبي يؤمنا في المسجد وما عدت أتمكن من الصلاة خلفه لكني اسأل الله تعالى أن يوفقني أن أكمل مسيرته العطرة أنا لن أنسى أبدا ما كان يحرص عليه والدي دوما في حضور المهرجانات والفعاليات الدينية والدعوية وكان دائما يصحبنا معه لحضور هذه الفعاليات وأنا بودي أن اشكر كل من ساهم في واجب العزاء والدعاء واخص بالذكر طلاب وطالبات ومعلمي وطاقم ومدير المدرسة الثانوية على الاهتمام البالغ الذي أولوه في واجب العزاء والمشاعر الفياضة التي ساهمت كثيرا في تخفيف حدة الحزن الذي الم بنا". الحزن الشديد يخيم على مئات الطلاب والمعلمين والعاملين في المدرسة الثانوية في اللقية
كانت تلك لحظات غير اعتيادية عاشتها المدرسة الثانوية في اللقية بعد سماع نبأ وفاة الاستاذ الشيخ احمد ابو غنيم والذي كان يعمل مستشارا تربويا في المدرسة حيث خيمت اجواء من الحزن على وجوه مئات الطلبة والهيئة التدريسية والعاملين في المدرسة.
وكانت ادارة المدرسة اقامت ذكرى للاستاذ المرحوم قام على عرافتها الاستاذ الشيخ فرحان العمور الذي نعى المرحوم وسط بكاء الطلاب والطالبات والمعلمين على فراق الاستاذ الشيخ احمد ابو غنيم .
والقت المستشارة التربوية احلام الصانع كلمة مؤثرة بينت فيها الدور الكريم الذي كان يقوم به المرحوم ابو طه الى جانب درجة الخلق العالية التي كان يتمتع بها.
اما الطالبة حنان ابو كف فالقت قصيدة عبارة عن خواطر قالت فيها " فقدنا استاذا عزيزا علينا فقدنا نبع المحبة والصفاء , كان يشعر بالناس ويحب كل الناس ".
والقى الاستاذ يوسف العمور كلمة باسم المعلمين قال فيها " تاريخ المرحوم حافل بالعطاء والمساهمة في فعل الخيرات والكل يشهد له بالانجازت في مجال التربية والتعليم افنى حياته في عمل الخير ونسي نفسه "
واختتم كلمته بالقول" يشهد الله تعالى والكل هنا انك كنت خير مثال يحتذى به وكنت خير مربي وخير اب وخير معلم "
اما الطالب بلال الربيدي فكتب قصيدة رثاء مؤثرة نعى فيها الشيخ المرحوم قال فيها " كتبت بالدمع للحبيب شوقا وما يدري الحبيب ما يبكينا , كنت المنارة وسط بحر الدجى وبكت عليك منابر المؤمنين"
اما مدير المدرسة الدكتور خليل ابو عايش والذي كانت تربطه بالمرحوم علاقة مميزة فكانت لكلماته الدافئة وقع على مسامع الحضور قال فيها " ما مات من وهب الحياة لدينة وقومه واهله ونذر نفسه لخدمة الناس ,يا ابا طه لقد ذهبت نفوسنا عليك حسرات وتقطعت زفرات ولكن لا نقول الا ما يرضي ربنا انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم".
وعند الانتهاء من اعداد هذا التقرير كنا قد التقينا الاستاذ محمد ابو سعد والذي تشرف بان يتتلمذ على يد المرحوم ابو طه وعن دور المرحوم كمدرس قال ابو سعد " كان نعم المربي وكان اسلوبه رائع في التدريس جلب محبة واحترام الطلبة وكان بمثابة الاب الحنون.